Posts Tagged ‘بعثة’



환영

في خلال سنتي الأولى من البعثة، في فترة اللغة تحديدا، تعرفت على العديد من الأصدقاء من جمهورية كوريا الجنوبية الصديقة. وكان من ثمرات هذا التعارف المحمود هو التقاء الحضارات، مصداقاً لقوله تعالى: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}. فسنحت لي فرصة التعرف أكثر على الثقافة الكورية من التقاط بعض الكلمات باللغة الكورية، وتجربة الأكلات (المفلفِلة) الشهية، لا سيما أشهرها أكلة الــ Kimchi، ثم التعرف على الحلم الكبير الموحّد لكل كوري على وجه الأرض وهو (العمل في شركة سامسونج)!. لكن أكثر ما أذهلني وأدهشني في طبيعة حياة الكوريين، هو أن نظام حياتهم المتسلسل من دخولهم المدرسة ثم الجامعة ثم مرحلة العمل، تماما مثل الآلة !!

لذلك كان ذلك تفسيراً منطقياً لجدية الكثيرين منهم في التعامل، أو برود المشاعر الإنسانية، فقليلا ما تجد كورياً يمزح، أو تجده شخصية كورية اجتماعية، أو متجاوبة في الحديث، ولكن اذا عُرف السبب، بطل العجب !!

الكوريون – حسب وصف أحد أصدقائي منهم – ينخرطون من سنواتهم الدراسية الأولى في مدارس تبدأ دواماتها في الصباح الباكر من الساعة الثامنة صباحاً وحتى الرابعة أو الخامسة مساءً، وهذا فقط الشوط الأول! أما الحصة التعليمية الثانية فهي سلسلة من الدروس اليومية المنزلية المفروضة عليهم، فيأتيهم مدرسين معينين من الحكومة يدرسونهم في المنازل ويساعدونهم على حل الواجبات والمذاكرة لهم من الساعة السادسة وحتى العاشرة مساءً !! فلا أعتقد ان في حياتهم الكثير من الراحة أو المرح. وحتى حياتهم الجامعية والعملية تسير على نفس المنوال، دوامات طويلة والمزيد من (الكرف)! لا عجب إذا أن تتم برمجة العقل اللاواعي لديهم على عدم الاهتمام بالجوانب الإنسانية الأخرى، فالمادية سيدة الموقف هنا. أي نعم قد يؤدي هذا تخريج أجيال منتجة وتعشق العمل ومتعودة عليه، لكن ربما يكونون فاشلين على الصعيد العاطفي والإنساني، وحتى الروحاني، وهذا ما يجعلها شخصيات فاقدة للتوازن في حياتها.

وهذا ما يمكن الخشية منه على نفسي كمبتعث – من جملة مبتعثين – من جراء ضغط الدراسة الحالي، فهو نذير التحول إلى آلة صماء مبرمجة على نظام حياتيّ معين، تنفذ مجموعة من الأوامر اليومية الروتينية بطريقة قد تبعث إلى الملل أحيانا، وشبيهة بالنموذج الكوري. ليس ذلك فحسب، بل أن هذا النظام يزيد من صعوبة التواصل الاجتماعي مع من نحب، وقد تأتي ردة الفعل الغير منتظرة من عبارات اللوم من الأحباب والأصدقاء والحاضرين في القلب البعيدين عن المكان بعدم الاكتراث، وتحميل النفس فوق طاقتها باستقبال تهَم التقصير بالسؤال عن الأحوال، والفتور والبرود والإهمال، ظانّين أن العبد الفقير قد ترفّع عنهم ونسيهم، ربما غير شاعرين بكربة الغربة، وغير مقدرين عظم وحجم المسؤولية الملقاة على عاتقه كممثل للدين والوطن أولا، ثم باحثا عن استكمال مسيرة الصعود إلى القمّة وصناعة مستقبل مشرق.

لكن ماهي إلا مرحلة، أبشّر من خلالها أهلي وأحبابي وأصدقائي وجميع من يعزوا عليّ أن مكانهم في القلب محفوظ، وذكرهم على البال موجود، فالآلة السعودية مهما بلغت فلن تبلغ مبلغ الكورية. فهلا صبرتم “وطوّلتوا بالكم” على نظام الآلة المؤقت، على أمل أن تجمعنا بكم الأيام عمّا قريب..

‏안전 ..

ملاحظة: 
الكلمة الكورية في بداية المقال تُنطق (hwan-yeong) ومعناها مرحبا .. 
أما الكلمة التي في نهاية المقال فتُنطق (anjeon) .. أي مع السلامة ..

Advertisements